لم يخطر ببالي يوماً أنها ستترك لي أي شيء. لا أموال، لا قيراط أرض، ولا حتى كلمة "شكراً" رسمية. كنت أخدمها لوجه الله ومن كل قلبي. لكن الأبناء الآخرين لم يروها هكذا. عندما كانوا يمرون لزيارتها لدقائق معدودة، يجلسون قليلاً، يحضرون معهم كيلو فاكهة، ويقولون نفس الجملة قبل أن يستقلوا سياراتهم ويغادروا: "والله يا مريم كتر خيرك، عندك صبر أوباك!
"، و"احنا الصراحة مكانش هيبقى عندنا نفس القدرة دي."، و"أنتِ عارفة أمي بقى... نشفة ودماغها ناشفة." كنت أبتسم مجاملة، لكن الكلام كان يقطع في قلبي من الداخل. نعم، كانوا يعلمون أنني أراعيها... لكن لم يبق أحد منهم ليلة واحدة ليرى الليالي الصعبة.
لم يسمعها أحد وهي تنادي على زوجها الراحل في مناماتها. لم يرها أحد وهي تبكي في صمت عندما لم تعد قادرة على الخروج للجلوس أمام الباب على "المصطبة" بمفردها. كان هذا الشتاء الأخير هو الأقسى على الإطلاق. توقفت الحاجة فاطمة عن الأكل، وكانت تتعب لمجرد نطق بضع كلمات.
وفي بعض الأحيان كانت تتطلع بنظرها صوب باب الغرفة وكأنها تنتظر أحداً طال غيابه ولن يأتي. في أحد أيام العصر، طلبت مني أن أساعدها لتجلس في السرير. عدّلت لها المخدة القديمة المهرية وراء ظهرها، فجلست تمسح بيديها على أطرافها المقصوصة لفترة طويلة وهي غارقة في تفكير عميق.
"مالك يا أمي؟ في حاجة وجعاكي؟" سألتها بلطف. "مفيش يا مريم... مش دلوقت." لم أفهم ما كانت تقصده. في تلك الليلة، ساء تنفسها جداً. مسحت عرق جبهتها، ورطبت شفتيها الجافتين بالماء، وبقيت بجوارها بينما كانت طوبة وبرد الشتاء يعصف بشبابيك الغرفة.
كان ابني الصغير قد نام، والبيت يلفه هدوء كالمقابر، ولا يُسمع فيه سوى صوت تكتكة الساعة على الحائط... ونفس الحاجة فاطمة الثقيل والضعيف. فجأة، فتحت عينيها وتبادلت معي النظرات. انحنيت عليها بسرعة. "أنا جنبك يا أمي، فيكي إيه؟
" رفعت يدها ببطء شديد، وأشارت إلى المخدة القديمة المقصوصة التي نامت عليها لسنوات طويلة، وبهمسة خافتة ومتقطعة قالت: "دي ليكي يا مريم... ليكي أنتِ وبس." ثم حاولت أن تنطق بشيء آخر، لكنها لم تستطع. سقطت يدها خائرة في يدي... وتوقف صدرها عن الحركة.
انهار عالمي في تلك اللحظة. بكيت وانتحبت متمسكة بالسرير حتى بزغ الفجر. وبعد ساعات قليلة، وصل بقية الأبناء. صراخ، وبكاء، ومكالمات، وجيران يدخلون ويخرجون. وفي وسط تنظيف الغرفة وتفريغ محتوياتها، أمسك أحد إخوة زوجي بالمخدة القديمة ليرميها في كيس القمامة الكبير. بدون تفكير، خطفتها من بين يديه بسرعة. "أوعى.
.. بلاش دي!" "عايزة إيه بالمخدة المقرفة المهرية دي؟ دي مقصوصة ووسخة!"، قالت أخت زوجي بسخرية. لم أعرف بماذا أجيبها، فقط احتضنت المخدة بقوة إلى صدري. لأن هذه كانت آخر كلمات نطق بها لسان الحاجة فاطمة لي. لأنها خصتني بها.
ولأنها رغم شكلها القديم والمكتوم بالتراب، جمعت الحاجة أنفاسها الأخيرة لتذكرها بالاسم قبل أن تفيض روحها. في تلك الليلة، وبعد أن هدأ البيت، جلست بمفردي في المطبخ ووضعت المخدة على الطاولة. كان قماشها منشقاً من إحدى الناحيتين، وريش الناعم القديم يخرج منها، وكانت تفوح منها رائحة النفتالين، وزيت الخزامى.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.