.. ورائحة الزمن. قلت في نفسي ربما كانت مجرد حركة غير مقصودة منها بسبب سكرات الموت، وداعاً بلا معنى، وكنت على وشك أن أضعها في أعلى الخزانة وأتركها. ولكن بينما أدخلت يدي من الفتحة المقصوصة لأساوي القطن والريش بالداخل، لمست أصابعي شيئاً مدفوناً في أعمق نقطة بالداخل.
.. شيء لم يكن قطناً ولا ريشاً على الإطلاق. كان شيئاً صلباً... وصغيراً... ومغلفاً بقطعة قماش ومربوطاً بإحكام شديد...أدخلت أصابعي بحذر شديد وسحبت ذلك الشيء الملفوف. كان عبارة عن صرة صغيرة ملفوفة بقطعة قماش قتيمة ومربوطة بحبل خيش قديم.
عندما حللت العقدة، انفرطت القماشة لتكشف عن كيس مخملي صغير وبجواره مظروف ورقي أصفر قديم، انطوت أطرافه من كثرة السنين. فتحت الكيس المخملي أولاً، وسقطت في كفي خمس ليرات ذهبية قديمة وذات بريق خاطف. كانت هذه الليرات هي كل ما استطاعت الحاجة فاطمة توفيره طوال حياتها الشاقة في الفلاحة، حيث كانت تخبئ جنيهات معدنية قليلة حبة بحبة على مدار عقود طويلة دون أن يعلم أحد من أبنائها شيئاً عنها.
أما المظروف الأصفر، فكان يحتوي على ورقتين. الأولى كانت عقد ملكية رسمي لبيت قريتنا القديم والأرض الصغيرة الملحقة به—تلك الأرض التي حاول أبناؤها إقناعها ببيعها مراراً وتكراراً على مر السنين، لكنها كانت ترفض دائماً بحجة أنها أرض أبيهم الراحل.
وما لم يكن يعلمه أحد، هو أنها قامت بتسجيل عقد الملكية باسمي أنا بشكل رسمي وقانوني قبل رحيلها بسنتين بمساعدة أحد المحامين الطيبين في مركز القرية. أما الورقة الثانية، فكانت رسالة صغيرة مكتوبة بخط يدها المرتجف، والتي يبدو أنها استعانت بأحد لكتابتها أو قاطعت الحروف بصعوبة شديدة، وجاء فيها:"يا بنتي يا مريم.
.لما تقري الكلام ده هكون أنا بين إيدين ربنا. أنا عارفة إن ولادي نسوني وشغلهم الزمان عني، وعارفة إنك أنتِ الوحيدة اللي شلتي همي وصبرتي عليا وعالجتيني وخدمتيني بقلب صافي ومن غير ما تستني مقابل.
الذهب ده هو شقا عمري القرش الأبيض اللي شلته للزمن، والأرض والبيت كتبتهم باسمك عشان أضمن إن محدش يظلمك ولا يرميكي بعد ما أموت. ده مش أجر خدمتك يا مريم، لأن حنيتك وصبرك معايا ملهمش أجر في الدنيا.
. ده حقك وأمانة في رقبتك، وعشاني ما تفرطيش في حقك أبداً."في تلك اللحظة، لم أستطع حبس دموعي. انهمرت الدموع على خدودي وأنا أضم الرسالة والذهب إلى صدري. لم أكن أبكي بسبب قيمة الأرض أو الذهب، بل لأن هذه المرأة العجوز، ورغم صمتها وقلة كلامها، كانت تشعر بكل لحظة تعب وإرهاق عانيتها من أجلها، وكانت تعدّ لي العدة لترد لي الجميل وتؤمن مستقبلي ومستقبل ابني في الوقت الذي نساني فيه الجميع.
في الصباح التالي، عندما تجمع الأبناء مرة أخرى في البيت لبدء الحديث عن التركة وتقسيم الممتلكات، سأل أحدهم بسخرية: "صحيح يا مريم، رميتي المخدة القديمة ولا لسة شايلاها؟"نظرت إليهم بهدوء والدموع في عيني، ورفعت رأسي وقلت: "المخدة دي كان فيها أمانة الحاجة فاطمة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.