وسادة الحاجة فاطمة#حكايات_شروق_خالد

نُشر منذ 5 أيام
حفظ
غلاف المقال

. وأغلى ثروة تركتها لي."عندما أخرجت الورق والعقد الرسمي وشاهدوا اسمي مكتوباً عليه بأمر من أمهم قبل وفاتها، ساد الصمت والذهول المكان. حاول بعضهم الاعتراض والغضب، لكن القانون والرسالة التي تركتها كانت قاطعة. رحلت الحاجة فاطمة، لكنها تركت لي درساً لن أنساه طوال حياتي: أن الخير والرحمة لا يضيعان عند الله أبداً، وأن القلوب الصافية قد تصبر على البلاء سنين طوال، لكن الله يرسل لها الفرج والتقدير من حيث لا تحتسب.

#حكايات_شروق_خالدمرت سنوات على رحيل الحاجة فاطمة، وما زالت ذكرى تلك الليلة حية في قلبي كأنها حدثت بالأمس. البيت والأرض التي تركتها لي كانت أكثر من مجرد ممتلكات؛ كانت درعاً حماني وحما ابني في أوقات شديدة الصعوبة.

أخت زوجي وإخوته حاولوا في البداية إثارة المشاكل والتشكيك في العقد، لكن وجود الرسالة المكتوبة بخط يدها، إلى جانب شهادة محامي القرية الذي أوضحت له الحاجة فاطمة رغبتها بكامل قواها العقلية قبل وفاتها، جعل موقفهم القانوني والأخلاقي ضعيفاً للغاية.

مع الوقت، انسحبوا واحداً تلو الآخر وانقطعت زياراتهم المتباعدة أصلاً، ليبقى البيت لي ولزوجي وابننا. أما الليرات الذهبية الخمس، فلم أفرط في واحدة منها لمجرد الإنفاق اليومي. احتفظت بها كأمانة غالية، وقررت أن أستغل جزءاً من أرض القرية لإنشاء مشروع صغير لتربية الدواجن وتصنيع المنتجات الغذائية البسيطة.

بفضل الله ثم بفضل هذا الاستثمار، استطعت أن أوفر مستقبلاً كريماً لابني وأن أضمن له تعليماً ممتازاً دون أن نمر بأزمات مالية خنقنا بها الزمان. زوجي، الذي كان يغيب بالشهور في القاهرة للعمل، استطاع أخيراً ترك عمله المجهد هناك والعودة إلى القرية ليدير معي الأرض والمشروع.

وفي كل مرة كان يجلس فيها في شرفة البيت، كان ينظر إليّ بامتنان ويقول: "أمي كانت شايفة اللي أنا مكانتش شايفه.. ربنا عوضك عن صبرك وتعبك معاها."المخدة القديمة المهرية نفسها لم أرمِها. قمت بتنظيفها وترميم غرزها بيدي، واحتفظت بالرسالة داخل إطار خشي يعلق على حائط الغرفة.

كانت تلك الرسالة تذكرني دائماً في لحظات التعب واليأس بأن لا شيء يضيع عند الله، وأن المعاملة بالحسنى والرحمة بقلب صادق لا بد أن تثمر في النهاية، حتى لو من أضعف وأوهن الأشياء. اليوم، كبر ابني وأصبح شاباً جامعياً يتفوق في دراسته، وكلما مر من أمام إطار الرسالة المعلق على الحائط، توقف لبرهة وقرأ الكلمات التي كتبتها جدته، ليتذكر دائماً معنى الوفاء والبر.

الحاجة فاطمة لم تكن مجرد عجوز رعيتها في آخر أيامها، بل كانت طوق نجاة أرسله الله لي في مرحلة قاسية من عمري. علمتني أن الصبر الحقيقي ليس مجرد تحمل للأعباء، بل هو يقين بأن العوض آتٍ لا محالة، وأن الله لا ينسى قطرة عرق واحدة سقطت بصدق وإخلاص.

البيت الذي كان يوماً شاهداً على وحدتها وتعبها، تحول اليوم إلى واحة دافئة تملؤها السكينة والضحكات. وكلما نظرت إلى أفق الأرض الخضراء التي أصبحت ملكاً لنا، تذكرت يديها المخشوشنتين وابتسامتها الهادئة، فأرفع يدي لأسأل الله لها الرحمة والمغفرة، وأحمد الله ألف مرة على تلك الوسادة الممزقة التي غيرت مجرى حياتنا إلى الأبد.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Safy Mohammad ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
156مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

زهرة الربيع 1 روايات

زهرة الربيع 1

رحت ازور بنتي في بيتها في الارياف بس جوزها قالي انها راحت تزور والدته العيانه، استغربت جدا…

Safy Mohammad 0.0 27 دقائق
بعد ماتبر.عت بالد.م روايات

بعد ماتبر.عت بالد.م

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Safy Mohammad 0.0 18 دقائق