#حكايات_شروق_خالدوعلى الرغم من مرور كل هذه السنين، إلا أنني لم أنسى أبداً ذلك الجار العجوز، عم "صابر"، الذي كان يسكن في أول الحارة وكان شاهداً على صمتي وصبري طوال تلك السنوات. في أحد الأيام، وبعد أن استقرت أمورنا وهدأ العاصفة تماماً، مرّ عم صابر من أمام باب دارنا، فوقف ونادى عليّ بصوته المبحوح والطيب: * "يا مريم يا بنتي.
. البقاء لله وحده، بس أنا كنت مستني الوقت المناسب عشان أقول لك كلمتين كان لازم أعرفهم من زمان."نظرت إليه باهتمام وقلت: "خير يا عم صابر؟ اتفضل اسرح."ابتسم وقال وهو يتكئ على عصاه: "أنا كنت عارف الله يرحمها الحاجة فاطمة كويس قوي، وقبل ما تتعب بشهرين بالتمام والكمال، طلبت مني أعدي معاها على الشهر العقاري في المركز.
وقتها سألتها باستغراب: (يا حاجّة، ولادك حواليكي، ليه كاتبة كل حاجة لمريم لوحدها؟). فبصت لي بنظرة قوية وقالت لي جملة لسه فضل في وداني لحد النهاردة: (يا صابر.. اللي شالني في مرضي وقرفي ومحدش سأل فيا غيره، هو اللي يستاهل يورث طينتي وبيتي، الباقيين هيروحوا للفلوس لكن مريم هتحافظ على العرض والأرض).
"أجهشت في البكاء مجدداً، ليس حزناً، بل تأثراً بأنها كانت واعية ومدركة لكل خطوة خطتها، وأنها لم تترك أمراً للصدفة. شكرت عم صابر على أمانته وصدقه، ودخلت البيت وأنا أتحسس إطار الرسالة المعلّقة. اليوم، حين يجتمع أهل القرية في المناسبات، لم يعد أحد يتهامس شفقة عليّ كما في الماضي، بل صاروا يضربون المثل بـ "مريم وحماتها"، وكيف أن الوفاء والخدمة الخالصة لوجه الله لا تُنسى ولا تضيع أبداً.
الحاجة فاطمة رحلت بأجسادنا، لكن سيرتها العطرة ما زالت تفوح في أرجاء البيت، تملؤه بركة وخيراً، وتؤكد لي في كل يوم أن الطيبة تصنع المعجزات، وأن الله دائمًا يجازي الصابرين عوضاً يليق بكرمه الذي لا ينفد. وسادة الحاجة فاطمةحكايات شروق خالد
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.