" رد بابتسامة هادية: "عارف، وأنا مستعد أشتغل عليه." ومع الأيام، بدأنا نرتب حياتنا. كنا بنتناقش في المصاريف، ونختلف أحيانًا، لكن بقينا نعرف إن الاختلاف مش معناه إن حد فينا يفرض رأيه على التاني. كنت بحط جزء من مرتبي في حسابي، وجزء في الادخار، وبشتري احتياجاتي من غير خوف أو إحساس بالذنب.
وأحمد بدأ يحوش من مرتبه، وبقى عنده هدف واضح بدل ما يسيب كل شغلانة أول ما يقابله ضغط. أما عم حسين، فكان بيزورنا كل أسبوع، ويقعد يشرب الشاي معانا، ويسألني عن شغلي، وعن التدريب، وعن أحلامي اللي بدأت أرجع أفكر فيها.
وفي يوم، بعد حوالي سنة من أول مرتب ليا، جالي اتصال من مديرة المركز. كانت بتبلغني إن فيه فرصة أشارك في مشروع كبير لتنظيم أنشطة تعليمية للأطفال في أكتر من مركز ثقافي، وإن اسمي اترشح للمشاركة بسبب شغلي في السنة اللي فاتت. قفلت المكالمة وأنا مش مصدقة.
أحمد كان قاعد قدامي، ولما شافني بعيط، قام بسرعة."فيه إيه يا نورهان؟ حصل حاجة؟" ضحكت وسط دموعي."لأ، بالعكس. أنا اترشحت لمشروع جديد في الشغل." فرح جدًا، وحضني وقال: "كنت عارف إنك هتوصلي لحاجة كبيرة.
" في اليوم ده، قررت أجيب تورتة صغيرة، زي ما كنت ناوية أعمل يوم قبضت أول مرتب ليا. لكن المرة دي ما كنتش هجيبها عشان أحتفل بمرتب وبس. كنت هحتفل إني قدرت أحافظ على نفسي، وأتعلم أقول لأ، وأفهم إن الجواز مش تنازل من طرف واحد، وإن البيت اللي مفيهوش احترام، مهما كان كبير، عمره ما هيبقى مريح.
دعيت عم حسين وفوزية وأحمد على العشا. ولما التورتة اتحطت على الترابيزة، عم حسين بص لي وقال: "فاكرة أول يوم جيتي فيه بالمعطف ده؟" ضحكت وقلت: "أيوه يا عمي، فوزية كانت هتعمل محضر تحقيق عشانه." الكل ضحك، حتى فوزية ابتسمت وهي بتقول: "خلاص بقى، هتفضلي تفكريني بالموضوع ده طول العمر؟
" رديت بمودة: "لأ يا طنط، بس المعطف ده ليه حكاية عندي." عم حسين قال: "حكاية المعطف مش إنه اتشترى بفلوس، حكاية المعطف إنه كان أول مرة نورهان تفهم إن من حقها تفرح من غير ما تستأذن." سكتنا كلنا لحظة. وبعدين فوزية بصت لي وقالت: "عندك حق.
" كانت جملة بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت اعترافًا بكل اللي حصل. بعد العشا، وأنا بلم الأطباق، فوزية دخلت المطبخ وقالت: "سيبي الحاجات دي، وأنا هساعدك." بصيت لها باستغراب. قالت: "إيه؟ مستغربة ليه؟ هو أنا مش بعرف أغسل طبق؟" ضحكت، وبدأنا نلم المطبخ سوا.
وأنا واقفة جنبها، افتكرت أول ليلة في البيت ده، لما كنت بخلص كل شغل المطبخ لوحدي، وأحمد قاعد قدام التلفزيون، وفوزية بتتكلم في التليفون، وأنا بحاول أقنع نفسي إن ده طبيعي، وإن كل البيوت كده. عرفت وقتها إن التغيير مش بيحصل لما شخص واحد يعتذر، ولا لما مشكلة واحدة تتحل.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.