لقيت في جيبه الورقة الصغيرة اللي عم حسين كتبها لي يوم اداني الظرف. كانت الورقة اتكرمشت من كتر ما نقلتها من شنطة لشنطة، لكن الكلام لسه واضح."الطيبة مش معناها إنك تتنازلي عن حقك." وقفت أقراها، ودموعي نزلت على خدي. أحمد دخل الأوضة وشافني."بتعيطي ليه؟" ناولته الورقة.
قراها وسكت، وبعدين قال: "أبويا كان عنده حق." هزيت رأسي."أيوه، كان عنده حق." قرب مني وقال: "أنا آسف على كل مرة خليتك تحسي إنك لوحدك. وعلى كل مرة كنت محتاج أكون جنبك فيها، واخترت أسكت.
" بصيت له طويلًا."أنا سامحتك يا أحمد، بس خلينا نفتكر دايمًا إن الحب مش كلام حلو وبس. الحب إن الواحد يحترم تعب التاني، ويفرح لفرحته، وما يحاولش يمتلكه." قال: "وعد مني إني أفضل فاكر ده." علقت المعطف في الدولاب، وقفلت الباب بهدوء.
ما كنتش عارفة المستقبل هيجيب لنا إيه، لكني كنت عارفة حاجة واحدة: مش هرجع تاني للبنت اللي كانت بتخاف تطلب حقها، واللي كانت بتفتكر إن السكوت على كل حاجة هو الطريق الوحيد عشان تحافظ على بيتها.
لأن البيت الحقيقي مش هو المكان اللي مفيهوش خلافات، ولا المكان اللي فيه شخص واحد بيتحكم في كل حاجة. البيت الحقيقي هو المكان اللي تقدر فيه تتكلم من غير خوف، وتختلف من غير إهانة، وتفرح من غير ما تحس بالذنب.
وبعد شهور، في ذكرى أول يوم قبضت فيه مرتبي، رجعت من الشغل ومعايا ظرف صغير. أحمد كان مستنيني في الصالة، ولما شاف الظرف في إيدي، ابتسم وقال: "قبضتي؟" قلت: "أيوه." قال: "طب يلا نحتفل." ضحكت وقلت: "المرة دي أنا اللي هعزمك.
" خرجنا واتعشينا في مطعم بسيط، وبعدها مشينا شوية في الشارع، والجو كان بارد. لبست معطفي الجملي، وحطيت إيدي في جيوبه، وافتكرت اليوم اللي وقفت فيه فوزية قدامي بتسألني بصوت عالي: جبتِ المعطف ده منين؟وقتها كنت خايفة من رد فعلها، وخايفة من جوزي، وخايفة من إني أخسر البيت اللي لسه ما كملش شهر.
أما النهارده، فكنت ماشية جنب جوزي، عارفة إن عندي شغل بحبه، وفلوس بتعبي فيها، وبيت شاركت في بنائه، وكرامة ما بقيتش مستعدة أتنازل عنها. وقبل ما نرجع، أحمد وقف قدام محل هدوم وقال: "إيه رأيك ندخل نشوف لك معطف جديد؟
" ضحكت وقلت: "هو أنا كل ما ألبس معطف هتفتكر الحكاية دي؟" قال: "أيوه، عشان المعطف ده علمني درس مش هنساه." سألته: "إيه هو؟" بص لي وقال: "إن الست اللي بتقف جنب جوزها وتساعده مش معناها إنها ملهاش حق في نفسها.
وإن اللي بيحب حد بجد، ما يستغلش طيبته، ولا يخليه يحس إنه لازم يستأذن عشان يعيش." مسكت إيده وقلت: "أهو كده يا أحمد، اتعلمت أخيرًا." ضحكنا، وكملنا طريقنا. وفي اللحظة دي، عرفت إن الظرف الأبيض اللي عم حسين اداهولي ما كانش مجرد فلوس أشتري بيها معطف وجزمة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.