"كنت هقول لك من أول يوم أنا مين وإيه اللي حصل ولو رفضتيني كنت هحترم قرارك"
فضلت أبص له وأنا بحاول أصدق إن الراجل اللي قدامي بدأ أخيرًا يفهم إن الحب مش إنك تفضل ماسك في حد مهما كان الثمن
الحب إنك تديه الحقيقة حتى لو الحقيقة هتخليه يمشي
قمت من مكاني وقلت له
"أنا مش هقدر أرجع لك دلوقتي لكن ممكن نبدأ نتعامل مع بعض من جديد كأب وأم لأولادنا ومن غير أسرار"
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
"ده أكتر مما أستحق"
ومرت الأيام وبدأنا نتعامل بهدوء ونخرج مع الأولاد ونشارك في مناسباتهم من غير ما نفرض على نفسنا أي حاجة
كنت كل يوم باكتشف حاجة جديدة في الدنيا وبكتشف كمان حاجات جديدة في نفسي
اكتشفت إني أقوى مما كنت فاكرة وإن فقدان الثقة مش معناه إن الإنسان يفقد قدرته على الحب وإن التسامح مش لازم يكون معناه الرجوع لنفس المكان اللي اتوجعنا فيه
وفي يوم كنت قاعدة مع مريم في الصالة بنتفرج على صور قديمة لينا قبل العملية
وقفت عند صورة ليا وأنا طفلة جنب المرجيحة
فضلت أبص لها طويلًا وبعدين قلت
"غريبة يا مريم إزاي صورة واحدة ممكن تجمع كل الوجع ده"
مريم مسكت إيدي وقالت
"بس إنتِ بقيتي بتشوفي يا ماما"
ابتسمت وقلت
"أيوه يا حبيبتي بقيت بشوف بعيني لكن الأهم إني بقيت أحاول أشوف الحقيقة من غير ما أخاف منها"
قفلت ألبوم الصور وقمت ناحية الشباك
كان المطر بينزل بهدوء والشارع مليان انعكاسات النور على الأرض
افتكرت اليوم اللي فتحت فيه عيني بعد عشرين سنة من العمى وافتكرت اللحظة اللي شوفت فيها وش طارق واكتشفت إنه الشخص اللي تسبب في فقدان بصري
وقتها كنت فاكرة إن حياتي انتهت وإن كل حاجة حلوة عشتها كانت كذبة
لكن بعد كل اللي حصل فهمت إن الماضي ممكن يفسر حاجات كتير لكنه مش لازم يحدد كل اللي جاي
طارق كان غلطان لأنه خاف وقال لنفسه إن الصمت أرحم من الحقيقة لكنه اكتشف متأخر إن الحقيقة مهما كانت موجعة تفضل أرحم من حياة كاملة مبنية على سر
وأنا كنت محتاجة أتعلم إن رجوع بصري مش معناه إني لازم أرجع لكل حاجة كانت في حياتي قبل العملية
من حقي أختار اللي يفضل ومن حقي أسيب اللي مش قادرة أكمله
وفي مساء هادي كنت راجعة من المركز ولقيت طارق واقف قدام باب البيت ومعاه علبة صغيرة
سألته
"فيه إيه؟"
قال
"دي حاجة كنت عايز أديهالك من زمان"
فتحت العلبة ولقيت جواها صورة قديمة ليا وأنا طفلة وصورة جديدة ليا بعد العملية
بصيت له باستغراب فقال
"الصورة القديمة كانت عندي من يوم الحادثة والصورة الجديدة طلبت من مريم تطبعها لي من غير ما تعرفي"
سألته
"ليه محتفظ بيهم؟"
قال
"علشان كل ما أبص للصورة القديمة أفتكر إن الغلط ممكن يحصل في لحظة لكن الهروب من الاعتراف ممكن يضيع عمر كامل وإن الصورة الجديدة تفكرني إنك أقوى من كل اللي حصل"
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.