حكى لي عن المكالمة اللي جت بعدها، وعن السنين اللي قضاها وهو بيحاول يعاقب نفسه من غير ما يعترف بده. ولما خلص، كان صوته مكسورًا. قال:
«أنا ما لحقتش أقولها إني آسف.»
بصيت له وقلت:
«يمكن مش هتقدر تقولها لها دلوقتي.
لكن تقدر تعيش بطريقة ما تخليكش تكرر نفس الغلطة مع حد تاني.»
غمض عينيه. وبعدين مسح وشه بإيده، كأنه أخيرًا سمح لنفسه يعيط على أخته بعد خمس سنين من الإنكار. ما حاولتش أواسيه بكلام كبير. قعدت جنبه، زي ما هو قعد جنبي في المستشفى.
وفي اللحظة دي، فهمت إننا ما كناش بننقذ بعض. كنا بس بنحاول نتعلم إزاي نعيش مع الحاجات اللي ما نقدرش نغيرها. بعدها بأيام، بدأت رحلة العلاج. ما كانتش سهلة، ولا سريعة، ولا فيها معجزات زي اللي بنشوفها في الحكايات.
كان فيه أيام أصحى فيها وأنا مش قادرة أقوم من السرير، وأيام أحس فيها إن التعب رجع أقوى من الأول. كان فيه تحاليل بنتظر نتيجتها وأنا قلبي بيدق بسرعة، ومواعيد كنت بروحها وأنا خايفة أسمع خبر يوجعني. لكن المرة دي، ما كنتش بأجل حياتي لحد ما أبقى كويسة.
كنت برسم لما أقدر. وبستريح لما أتعب. وبقابل نادين. وبتعلم أطلب المساعدة من غير ما أحس إني عبء على حد. وسليم، رغم كل اللي كان بيواجهه في حياته، فضل موجود. ما كانش بييجي كل يوم، وما كانش بيحاول يفرض نفسه على وقتي.
أحيانًا كان يبعت رسالة قصيرة يسألني عن يومي، وأحيانًا كان ييجي يقعد قدامي وأنا برسم، من غير ما نتكلم كتير. ومع الوقت، بدأت أعرف الراجل اللي ورا الاسم المخيف. عرفت إنه ما بيحبش القهوة من غير سكر، لكنه بيشربها كده عشان متعود.
وعرفت إنه ما بيعرفش يختار هدية، وإنه ممكن يشتري محل كامل من غير ما يعرف يختار وردة واحدة. وعرفت إنه بيخاف من المستشفيات، رغم إنه عمره ما اعترف بده. وفي يوم، سألته:
«إنت ليه لسه بتجيلي؟»
كان قاعد بيقلب في كتاب عن الرسم، وبيحاول يفهم الفرق بين درجات الأزرق.
رفع عينه وقال:
«عشان بحب وجودي هنا.»
قلبي دق أسرع، لكني ما علقتش. هو كمل:
«مش عايز أحط عليكي أي ضغط، ولا عايزك تحسي إنك مدينة ليا بحاجة. أنا عارف إن حياتك صعبة، ومش عايز أكون سبب في صعوبة زيادة.»
بصيت له وقلت:
«أنا مش مدينة ليك بحاجة يا سليم.»
هز راسه.«عارف.»
«وإنت مش مسؤول عن إنقاذي.»
قال بهدوء:
«عارف برضه.»
ابتسمت.«كويس. عشان أنا عايزة أفضل أعيش حياتي بنفسي، حتى لو احتجت مساعدة أحيانًا.»
ابتسم.«وده حقك.»
بعد شهر، بدأت النتائج تظهر تحسنًا بسيطًا.
ما كانش كافيًا إن الأطباء يقولوا إن الخطر انتهى، لكنه كان كافيًا إنهم يكملوا الخطة العلاجية بثقة أكبر. وفي اليوم اللي عرفت فيه النتيجة، رجعت البيت، ووقفت قدام اللوحة. كانت معلقة جنب الشباك، والضوء داخل عليها من زاوية مختلفة. حسيت إني عايزة أرسم لوحة تانية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.