مش لأن الأولى كانت ناقصة، لكن لأن جوايا بقى فيه كلام جديد عايز يخرج. اتصلت بسليم. أول ما رد، قلت:
«عايزة أفتح معرض.»
سكت. وبعدين قال:
«إيه؟»
ضحكت.«معرض يا سليم. معرض للوحاتي. مش عايزة أستنى أكتر.»
قال بجدية:
«تمام. نبدأ نجهز.»
قلت بسرعة:
«استنى.
أنا مش عايزة فلوسك تعمل كل حاجة. عايزة أشتغل عليه بنفسي، وأختار المكان، وأكلم الناس، وأجهز اللوحات.»
رد:
«تمام. أنا هساعدك في اللي تطلبيه مني بس.»
وبالفعل، بدأت أجهز للمعرض. كان أصعب مما تخيلت. احتجت أراجع لوحات قديمة، وأكمل لوحات جديدة، وأتعامل مع ناس كنت خايفة أقابلهم، وأتعلم إزاي أتكلم عن شغلي من غير ما أعتذر عنه.
سليم ساعدني في الحاجات اللي طلبتها، لكنه ما أخدش القرار بدل مني. كان ييجي معايا أشوف الأماكن، ويستنى رأيي، حتى لو المكان اللي اخترته ما كانش فاخرًا زي الأماكن اللي متعود عليها. وفي مرة، دخلنا قاعة صغيرة في حي هادي، حيطانها بيضا، وشبابيكها واسعة، وضوء الشمس داخل منها طول النهار.
وقفت في نص القاعة، وبصيت حواليّ. قلت:
«هنا.»
سليم بص للمكان.«متأكدة؟»
ابتسمت.«أيوه.»
قال:
«يبقى هنا.»
ما حاولش يقنعني بمكان أغلى، ولا أكبر، ولا أرقى. ولأول مرة، حسيت إن فيه حد بيقف جنبي من غير ما يحاول يقف مكاني.
قبل افتتاح المعرض بيوم، كنت قاعدة على الأرض وسط اللوحات، وبراجع الأسماء اللي هتتحط تحت كل واحدة. سليم دخل، ولقاني باصة للوحة الغروب. سألني:
«هتعلقيها فين؟»
قلت:
«في أول القاعة.»
قرب منها، وبص للعنوان المكتوب تحتها.«لسه بدري على الغروب.
»
هزيت راسي.«دي أول لوحة هتعلم الناس إني كنت فاكرة إن حياتي خلصت، قبل ما أكتشف إني لسه ما خلصتش الحكاية.»
سليم فضل ساكت. وبعدين قال:
«أنا مبسوط إنك كملتيها.»
بصيت له.«وأنا مبسوطة إنك رديت على الرسالة.
»
ابتسم.«وأنا مبسوط إني ما تجاهلتهاش.»
في يوم افتتاح المعرض، صحيت بدري جدًا. كنت متوترة لدرجة إني غيرت هدومي أربع مرات، وفضلت أمشي في الشقة من غير هدف. نادين وصلت ومعاها باقة ورد، وحضنتني وهي بتضحك.«إنتِ هتجننيني.
دي لوحاتك، مش امتحان آخر السنة.»
قلت:
«أنا خايفة.»
ردت:
«طبيعي تخافي.»
وبعدين مسكت إيدي.«بس إنتِ عملتي حاجة كنتِ فاكرة إنك مش هتقدري تعمليها تاني.»
وصلنا القاعة قبل المعاد بساعة. كانت اللوحات متعلقة على الحيطان، والناس بدأت تدخل واحدة واحدة.
وقفت عند الباب، وكل ما حد يقرب من لوحة، كنت بحبس نفسي من التوتر. لكن الناس كانت بتقف وتتأمل. بعضهم يسألني عن الألوان، وبعضهم عن المعنى، وبعضهم كان يفضل ساكتًا فترة طويلة قبل ما ينتقل للوحة اللي بعدها. ولما جه دوري أتكلم، وقفت قدام لوحة الغروب.
قلت لهم إن اللوحة دي اتأخرت شهورًا، وإنني كنت كل مرة أبدأها وأسيبها، لأني كنت مستنية أبقى أقوى. وبعدين ابتسمت وقلت:
«في يوم، فهمت إن مش لازم أكون قوية عشان أبدأ. ساعات البداية نفسها هي اللي بتدينا القوة.»
ما حكيتش لهم كل تفاصيل مرضي، ولا حكيت لهم عن الرسالة اللي بعتها لغريب. كانت دي حكايتي، وكنت لسه بتعلم إزاي أختار الجزء اللي أحب أشاركه منها. في آخر المعرض، وقفت قدام لوحة الغروب، ولقيت سليم واقف بعيد، بيتفرج عليا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.