قبل سبع ايام من موتها حكايات صافي هاني

نُشر منذ 5 أيام
حفظ
غلاف المقال

كنت خايفة، لكني كنت خايفة أكتر من إني أقضي الأيام اللي فاضلة وأنا قاعدة أبص للسقف وأستنى النهاية. في الساعة اتنين بالضبط، جرس الباب رن. فتحت، ولقيت سليم واقف لوحده. كان لابس قميص أسود وبنطلون غامق، من غير رابطة عنق، وشعره مرتب، وملامحه جامدة.

كان أطول مني بكتير، ونظرته ثابتة لدرجة إني حسيت إنه بيلاحظ كل حاجة في ثانية واحدة. لكنه أول ما شافني، ما بصش لملامحي الشاحبة، ولا لجسمي الضعيف. بص للوحة اللي ورايا. وقال:
«دي هي؟»
هزيت راسي. دخل بعد ما سمحت له، ووقف قدام اللوحة فترة طويلة من غير ما يتكلم.

أنا كنت مستنية تعليق، أو سؤال، أو حتى مجاملة سخيفة. لكنه فضل ساكت. وفي الآخر قال:
«ليه البحر فاضي؟»
بصيت للوحة.«كنت هارسم المية، بس كل ما أبدأ أحس إني مش عارفة أرسمها. السما كانت سهلة، لكن البحر... البحر كان صعب.»
«ليه؟»
«عشان البحر بيتغير كل ثانية.

مهما حاولت أرسمه، بحس إني مش قادرة أمسك اللحظة.»
سليم فضل باصص للوحة. وبعدين قال:
«يمكن مش مطلوب منك تمسكي اللحظة. يمكن المطلوب إنك ترسميها زي ما كانت في الوقت اللي شفتيها فيه.»
الجملة فاجأتني. بصيت له وقلت:

«إنت متأكد إنك مش رسام؟»
ابتسم ابتسامة خفيفة، كانت أول مرة أشوفها على وشه.«متأكد.»
قعدنا بعدها قدام اللوحة، وأنا بدأت أشرح له كنت ناوية أعمل إيه. لأول مرة من شهور، اتكلمت عن الألوان والفرش والضوء، من غير ما أحس إني مريضة، أو إن الوقت بيجري مني.

وسليم كان بيسمع. ما بصش لساعته، وما مسكش تليفونه، وما حاولش يغير الموضوع. ولما تعبت إيدي بعد نص ساعة، لاحظ قبل ما أقول.«نرتاح شوية؟»
قلت:
«أنا كده مش هخلصها في سبع أيام.»
رد بهدوء:
«يبقى نشتغل كل يوم.»
بصيت له.«إنت عندك شغل.

»
«عندي.»
«ومشاغل.»
«كتير.»
«وأنا مش هبقى أهم من كل ده.»
سليم سكت، وبعدين قال:
«أنا قضيت سنين بعمل حاجات كتير عشان أثبت لنفسي إني مهم. أول مرة أحاول أعمل حاجة عشان حد تاني، مش عارف أبدأ منين. فسيبيني أبدأ باللوحة.»
ما كانش عندي رد.

في اليوم ده، سليم قعد معايا ساعتين ونص، مش ساعة واحدة زي ما اتفقنا. ولما مشي، ساب على الترابيزة كيس فيه أكل، وعلب ألوان جديدة، وفرش مختلفة. قبل ما يقفل الباب، بص لي وقال:
«بكرة هاجي في نفس المعاد. لو غيرتي رأيك، ابعتيلي رسالة.»
وبعدين مشي.

لما قفلت الباب، رجعت بصيت للوحة. ولأول مرة من شهور، حسيت إني عايزة أصحى بكرة. ما كنتش عارفة إذا كان ده أمل حقيقي، ولا مجرد محاولة أخيرة من قلبي عشان يتمسك بالحياة. لكن في الليلة دي، نمت من غير ما أفضل أبص للساعة كل شوية.

وفي صباح اليوم التاني، لما صحيت، كان عندي هدف. أكمل البحر. ما كنتش أعرف إن سليم، في الناحية التانية من المدينة، كان بيعمل حاجة عمره ما عملها قبل كده. كان بيدور على أفضل أطباء متخصصين في الحالة اللي عندي، وبيبعت تقاريري الطبية لمراكز علاج مختلفة، وبيطلب منهم يراجعوا التشخيص من غير ما يوعد نفسه بمعجزة.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Safy Mohammad ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
156مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

زهرة الربيع 1 روايات

زهرة الربيع 1

رحت ازور بنتي في بيتها في الارياف بس جوزها قالي انها راحت تزور والدته العيانه، استغربت جدا…

Safy Mohammad 0.0 27 دقائق
بعد ماتبر.عت بالد.م روايات

بعد ماتبر.عت بالد.م

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Safy Mohammad 0.0 18 دقائق