قبل سبع ايام من موتها حكايات صافي هاني

نُشر منذ 4 أيام
حفظ
غلاف المقال

قربت منه وقلت:
«إيه رأيك؟»
قال:
«إنتِ اللي المفروض تقولي رأيك.»
ضحكت.«أنا رأيي إنك كنت ضيف محترم، رغم إنك ما فهمتش نص الكلام اللي اتقال عن الألوان.»
قال بجدية مصطنعة:
«أنا فهمت إن الأزرق مهم.»
ضحكت، وهو ابتسم. وبعدين قال:

«مريم، فيه حاجة عايز أقولها لك.»
بصيت له.«قول.»
قال:
«أنا عارف إن حياتك لسه فيها تحديات كتير، وعارف إنك مش محتاجة حد يقرر عنك أي حاجة. بس أنا بقيت أهتم بيكي أكتر مما كنت متوقع. ومش عايز أخبي ده، ولا أطلب منك تردي عليا بنفس الشعور.

»
فضلت باصة له. كان ممكن أقول كلامًا كبيرًا، أو أهرب من اللحظة، لكني اخترت الصراحة. قلت:
«أنا كمان بقيت أهتم بيك يا سليم. بس أنا لسه بتعلم أعيش من جديد، ومش عايزة أحوّل أي حاجة جميلة في حياتي لوعد أكبر من قدرتي.»
هز راسه.«مش مطلوب منك أي وعد.

»
وبعدين مد إيده، ووقف مستني. بصيت لإيده، وبعدها بصيت له. ومسكتها. ما كانش فيه موسيقى، ولا تصفيق، ولا لحظة مثالية زي اللي في الأفلام. كان فيه معرض صغير، ولوحات تعبت عشان أخلصها، وراجل بيتعلم يبدأ من جديد، وست بتحاول تعيش يومها من غير ما تعد الأيام اللي فاضلة.

وده كان كفاية. مرت شهور بعدها. العلاج كان فيه أيام صعبة، وأيام أفضل، ومواعيد متابعة ما كنتش بفوتها. الأطباء فضلوا حذرين، وأنا بطلت أتعامل مع كل نتيجة كويسة على إنها ضمان، أو كل يوم متعب على إنه نهاية. سليم كمل قراراته الصعبة في شغله.

خسر ناس كان فاكر إنه مش هيقدر يستغنى عنهم، واضطر يواجه نتائج اختيارات قديمة، لكنه ما رجعش للطريقة اللي كان بيهرب بيها من كل مشكلة. ما بقاش شخصًا مختلفًا في يوم وليلة، لكنه بدأ يتغير في الحاجات الصغيرة. بقى يسمع قبل ما يحكم. وبقى يسأل قبل ما يأمر.

وبقى يعترف لما يكون غلطان، حتى لو الاعتراف ده مكلف. أما أنا، فبدأت أرسم تاني. فتحت ركنًا صغيرًا للفن في القاعة اللي استأجرتها، وخصصت يومًا في الأسبوع لأي حد حابب يتعلم الرسم، حتى لو ما يقدرش يدفع. ما كنتش عايزة أعمل عملًا خيريًا كبيرًا، ولا أغيّر العالم.

كنت عايزة أدي لحد تاني فرصة يمسك فرشة ويكتشف إن لسه عنده حاجة يقدر يعملها. وفي إحدى الأمسيات، كنت قاعدة جنب الشباك، برسم لوحة جديدة. سليم كان قاعد قريب مني، بيقرأ أوراقًا تخص شغله، لكنه كل شوية يرفع عينه يتابع الألوان. سألني:
«هتسمي اللوحة دي إيه؟»
قلت:
«مش عارفة لسه.

»
«إيه موضوعها؟»
بصيت للشباك. كانت الشمس بتنزل ببطء، والسماء بين البرتقالي والوردي، والشارع تحتنا مليان ناس راجعة من شغلها، وأطفال بيلعبوا، وبياع بينادي على بضاعته. قلت:
«عن بكرة.»
سليم ابتسم.«مش عن النهارده؟»
هزيت راسي.«النهارده أنا عيشته. بكرة لسه مستنياني.»
فضل ساكت، وبعدين مد إيده ومسك إيدي.

ما كانش فيه أي ضمان إن كل حاجة هتبقى سهلة. ما كنتش عارفة هعيش قد إيه، ولا إذا كان العلاج هينجح زي ما بنتمنى، ولا إذا كانت الحياة هتديني كل الأحلام اللي أجلتها. لكن لأول مرة، ما كنتش محتاجة أعرف كل الإجابات عشان أبدأ. بصيت لتليفوني، وافتكرت الرسالة الأولى.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
SM

Safy Mohammad ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
156مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

زهرة الربيع 1 روايات

زهرة الربيع 1

رحت ازور بنتي في بيتها في الارياف بس جوزها قالي انها راحت تزور والدته العيانه، استغربت جدا…

Safy Mohammad 0.0 27 دقائق
بعد ماتبر.عت بالد.م روايات

بعد ماتبر.عت بالد.م

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Safy Mohammad 0.0 18 دقائق