حاولت أزحف ناحيته، لكن الدنيا بدأت تسود قدامي. آخر حاجة شفتها قبل ما أفقد الوعي، كانت اللوحة. البحر لسه فاضي. ولسه ما كملتش الغروب. لما فتحت عيني، كنت في المستشفى. الأجهزة حواليا، وممرضة بتقيس الضغط، ودكتور واقف بيتكلم مع حد عند الباب. حاولت أتحرك، لكن جسمي كان تقيل.
سمعت صوت سليم قبل ما أشوفه.«هي فاقت؟»
الدكتور رد:
«أيوه، بس محتاجين نتابع حالتها كويس. كان عندها هبوط شديد، ولازم نراجع التحاليل ونشوف سبب التدهور.»
سليم دخل الأوضة. كان وشه شاحب، وعينيه حمرا كأنه ما نامش. أول ما شافني فاتحة عيني، وقف مكانه. قلت بصوت ضعيف:
«اللوحة...»
قرب مني.«إيه؟»
«لسه ما خلصتش اللوحة.»
فضل باصص لي ثواني، وبعدين نزل راسه، وضحك ضحكة قصيرة خرجت متقطعة. قال:
«إنتِ واقعة على الأرض من ساعتين، وأول حاجة بتسألي عنها لوحة؟»
همست:
«دي أهم حاجة عندي.»
قرب الكرسي من السرير وقعد.
«طيب. اللوحة مستنياكي.»
وبعدين مد إيده ومسح دمعة كانت نازلة من عينه من غير ما يحس. أنا شفتها. وهو عرف إني شفتها. لكنه ما حاولش يخبيها. قلت:
«إنت خفت عليا؟»
بص لي مباشرة.«أيوه.»
«ليه؟»
سليم أخد نفس طويل، وكأنه بيحاول يختار كلمات عمره ما اتعود يقولها.
«لأني مش عايز أخسر حد تاني.»
ما سألتوش عن أخته، لكني فهمت إن الجملة دي وراها حكاية أكبر بكتير. في اليوم ده، سليم رفض يمشي من المستشفى إلا بعد ما اتأكد إن حالتي استقرت. وكان بيتكلم مع الأطباء، لكن المرة دي ما كانش بيأمرهم، ولا بيحاول يفرض عليهم نتيجة معينة.
كان بيسأل عن كل تحليل، وكل دواء، وكل احتمال. وفي آخر الليل، دخل عليا ومعاه ورقة. قال:
«في مركز متخصص وافق يراجع حالتك. مش معناه إن عندهم علاج أكيد، لكن فيه دكتور عايز يشوف كل الفحوصات بنفسه.»
بصيت للورقة.«إنت عملت كل ده في يوم واحد؟»
قال:
«أنا بس سألت.
»
ضحكت بضعف.«إنت لما بتسأل، الناس بتتحرك بسرعة غريبة.»
ابتسم.«يمكن.»
وبعدين رجع جاد.«مريم، أنا مش هقولك إنك هتعيشي، لأني ما أعرفش. لكن طول ما فيه احتمال يستحق المحاولة، مش عايزك تستسلمي لمجرد إن حد قالك إن الوقت قليل.»
بصيت للسقف. كان جوايا خوف كبير.
خوف من إني أتعلق بالأمل وبعدين أخسره. خوف من إني أصدق إن فيه فرصة، وأبدأ أحلم، وبعدين ألاقي نفسي برجع لنفس النهاية. قلت:
«أنا تعبت من المحاولة يا سليم.»
رد بهدوء:
«عارف.»
«كل مرة كنت بقول لنفسي هبقى أحسن، كنت بكتشف إني تعبت أكتر.
»
قرب الكرسي مني.«طيب المرة دي مش مطلوب منك تحاربي لوحدك.»
بصيت له. ولأول مرة من وقت طويل، عيطت قدام حد من غير ما أحاول أخبي دموعي. ما قالش لي ما تعيطيش. ما طلبش مني أبقى قوية. فضل قاعد جنبي، لحد ما هديت.
وفي الصباح، بدأ يومي التالت من الأيام السبعة. لكن المرة دي، ما صحيتش وأنا بعدّ الأيام اللي فاضلة. صحيت وأنا مستنية أعرف الدكتور الجديد هيقول إيه. بعد يومين من الفحوصات، رجعت شقتي بإشراف الأطباء، ومعايا تعليمات جديدة ومواعيد متابعة، لكن من غير إجابة نهائية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.