وافقت على لقاء قصير في مكان عام. لما وصلت، لقيت سيدة أنيقة في أواخر الستينات، شعرها أبيض مرتب، وملامحها جامدة. كانت دي أول مرة أشوفها من يوم ما خرجت من بيت ابنها. قعدت قدامها. هي بصت لي شوية، وبعدها قالت: "أنا عارفة إنك شايلة مني."
رديت: "أنا شايلة من اللي حصل."
"أنا كنت خايفة على أدهم."
"من إيه؟"
"من إنه يتشتت عن شغله، ومن إن حياته تتغير قبل ما يثبت نفسه."
بصيت لها."كان متجوزني. كان المفروض حياته تتغير."
هي سكتت. وبعدين قالت: "أنا أخطأت في حاجات."
"حاجات؟"
أخدت نفسًا طويلًا.
"أنا تدخلت في علاقتكم، وقلت له كلام كان المفروض أتأكد منه. ولما عرفت إنك خرجتي من البيت، كنت فاكرة إن الموضوع انتهى."
قلت: "وأنا كنت حامل."
ملامحها اتغيرت."أدهم قال لي."
"لأ، أدهم عرف بعد عشر سنين.
أنا بقول لك إنك وقتها كنتِ عارفة إني مراته، وإنه طردني من غير ما يكون معايا مكان أروح له. حتى لو كنتِ مقتنعة إني مش مناسبة لابنك، كان المفروض تتأكدي إن اللي بيحصل مش ظلــ,,ـــــم."
السيدة نزلت عينيها.
لأول مرة، شوفت عليها ملامح ندم حقيقي، أو على الأقل ارتباك واضح."أنا مش هقدر أرجع اللي فات."
"محدش يقدر."
"لكن نفسي أشوف أحفادي."
قلت لها: "الأطفال مش وسيلة علشان نصلح بيها خلافات الكبار. لو هتشوفيهم، لازم يكون هدفك إنك تعرفيهم وتحترميهم، مش إنك تقنعيهم إن اللي حصل كان عادي.
"
هزت راسها."موافقة."
"وكمان مفيش كلام سيئ عني قدامهم."
"موافقة."
"ومفيش ضغط عليهم علشان ينادوك بأي اسم أو يقربوا منك قبل ما يرتاحوا."
السيدة رفعت عينيها."أنا فهمت."
ما اعتذرتش اعتذارًا كاملًا في اللقاء ده، وما طلبتش مني أسامحها. لكنها وافقت على الحدود اللي حطيتها.
وده كان كفاية علشان نبدأ بحذر. أول لقاء بين التوأم وجدتهما كان بعد أسابيع. اتفقنا على مقابلة في حديقة هادية، ومعانا أنا وأدهم. كانت السيدة جاية ومعاها علبة صغيرة. أول ما شافت سارة ويوسف، وقفت مكانها، وبصت لهم طويلًا.
واضح إنها كانت شايفة ابنها في ملامحهم. سارة قربت مني وهمست: "هي دي جدتي؟"
قلت: "أيوه يا حبيبتي."
السيدة سمعت السؤال، وابتسمت بتوتر."أيوه يا سارة، أنا جدتك."
يوسف سلم عليها بأدب. أما سارة، ففضلت واقفة جنبي شوية، قبل ما تمد إيدها وتاخد العلبة.
فتحتها، ولقت جواها ألبوم صور قديم."دي صور بابا وهو صغير؟"
السيدة ابتسمت."أيوه. كنت محتفظة بيها من سنين."
سارة فتحت أول صفحة. في الصورة، كان أدهم طفلًا صغيرًا واقف جنب شجرة عيد ميلاد. سارة ضحكت."شكله كان تخين شوية!
"
أدهم بص للصورة باعتراض."أنا مكنتش تخين."
يوسف قال: "الصورة بتقول غير كده."
لأول مرة، ضحكت الجدة بصدق. قعدوا كلهم على المقاعد، وبدأت تحكي لهم عن طفولة أدهم، وعن المدرسة اللي كان بيروحها، وعن أول مرة حاول يصلح لعبة مكسورة، وعن إصراره إنه يشتغل في التجارة وهو لسه صغير.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.