" كنت مستغربة."يعني أقدر أراجع المخزون؟" قال: "أيوه. من النهارده، أي حاجة تخص المطبخ، ليكِ الحق تعرفي تفاصيلها." وبعدين مشي. فضلت واقفة مكاني، وأنا مش عارفة إذا كنت انتصرت في معركة صغيرة، ولا دخلت نفسي في مشكلة أكبر.
لكن بعد يومين، عرفت إن الشحنة كانت فعلًا ناقصة، وإن فيه أخطاء متكررة في سجلات التوريد. ما سألتش عن التفاصيل. كل اللي عرفته إن رومان غير نظام مراجعة المخازن، وإن أي توريد للمطبخ بقى بيتراجع قبل الاستلام. ومن يومها، نظرات الرجالة ليا اتغيرت.
ما بقيتش مجرد ست جابها رومان من الشارع. بقيت ماجي اللي محدش يقدر يمرر قدامها حاجة غلط بسهولة. في ليلة باردة من ليالي ديسمبر، كنت بجهز شوربة الدجاج اللي لقيت وصفتها في كشكول والدة رومان. كان القصر هادي على غير العادة.
الرجالة كانوا في اجتماع طويل، والعاملين اتحركوا في الممرات بهدوء. عملت الشوربة بنفس المقادير المكتوبة، وزودت عليها شوية خضار طازة، وخليتها على نار هادية. لما خلصت، حطيت طبق في صينية صغيرة، وطلعت بيه للدور اللي فيه مكتب رومان.
وقفت قدام الباب، وخبطت."ادخل." دخلت، ولقيته قاعد ورا مكتبه، قدامه أوراق كتير، ونظارة قراءة على طرف أنفه. رفع عينه أول ما شافني."فيه حاجة؟" حطيت الصينية على الطاولة الجانبية."عملت شوربة." بص للطبق. "أنا ما طلبتش أكل.
" قلت: "عارفة. بس غالبًا ما أكلتش من الغدا." وشه اتجمد."مين قال لك؟" "محدش. أنا اللي لاحظت إن الأكل رجع زي ما هو." فضل باصص لي، وبعدها بص للطبق."إنتِ عملتيها ليه؟" قلت ببساطة: "عشان كل واحد محتاج ياكل، حتى لو فاكر إن عنده حاجات أهم.
" سكت. كنت هخرج، لكنه قال: "ماجي." لفيت له."أيوه؟" أشار للكرسي المقابل."اقعدي دقيقة." قعدت، وأنا مش عارفة هو عايز إيه. أخد المعلقة، وداق الشوربة. وقف للحظة. وبعدين أخد معلقة تانية. ما قالش حاجة، لكن عينيه فضلت على الطبق. بعد شوية قال: "نفس الطعم." سألته بهدوء: "طعم إيه؟
" رد وهو بيبص للشوربة: "طعم البيت." الكلمة خرجت منه بصعوبة، وكأنه ما قالهاش لحد من سنين. فضل ساكت، وبعدها بدأ يحكي. قال إن أمه كانت بتطبخ له الشوربة دي كل ما يرجع من المدرسة وهو صغير.
كانت ست هادية، وبتحب تزرع الورد في الحديقة، وكانت بتصر إنه يقعد معاها على الترابيزة حتى لو كان مشغول. لما كبر، بدأ يقضي وقت أطول بعيد عن البيت، وبعدها مرضت أمه. كان وقتها بيحاول يبني شغله ويوسع شركاته، وكان دايمًا بيقول لنفسه إن بكرة هيبقى عنده وقت أكتر.
لكن بكرة ما جاش بالشكل اللي كان مستنيه. ماتت أمه قبل ما يقدر يقضي معاها الوقت اللي كان بيأجله. قال الجملة الأخيرة وهو بيبص من الشباك: "ومن يومها، بقيت أرجع البيت ألاقي كل حاجة موجودة، إلا الحاجة اللي كنت برجع عشانها. " ما عرفت أقول إيه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.