دفعت اللي قدرت عليه، وبعت حاجات كتير كانت غالية على قلبي، وبعدها خسرت شغلي لما المصنع قفل أبوابه فجأة. كنت فاكرة إن الموضوع هيبقى صعب كام شهر، وإن الدنيا هتتعدل. لكن الدنيا ساعات بتاخد منك حاجة، وبعدها تفضل تاخد لحد ما تلاقي نفسك مش عارفة إنتِ لسه واقفة إزاي.
اتأخرت في الإيجار، واتراكمت عليا الفواتير، وفي الآخر خرجت من الشقة ومعايا شنطة هدوم وصورة أمي والبالطو الأحمر بتاعها. تنقلت بين أماكن كتير، واشتغلت في تنظيف المطاعم وغسيل الأطباق، لكن الشغل ما كانش ثابت. وفي كل مرة كنت بقرب أقف على رجلي، كانت تحصل حاجة ترجعني لنقطة الصفر.
لحد ما وصلت لفيلادلفيا، في عز ديسمبر. الثلج كان بيغطي الشوارع، وملاجئ المشردين كانت مليانة، وكل مكان كنت أروحه يقولوا لي مفيش مكان. في الليلة اللي قابلت فيها رومان، كان معايا تلاتة وعشرين دولار، وشنطة سفر مكسورة، ونص سندوتش تركي.
كان قاعد جنبي والتر بريجز، راجل عنده تلاتة وسبعين سنة، ومحارب قديم عاش سنين طويلة من غير ما يطلب مساعدة من حد. كان بيكح طول النهار، ووشه شاحب، وإيده بترتعش وهو بيحاول يفتح كيس صغير كان فيه فتافيت بسكويت. لما سألته إذا كان أكل، حاول يضحك وقال: "أكلت حاجة الصبح.
" عرفت من نبرة صوته إنه بيكدب. قسمت السندوتش اللي معايا نصين ومديت له نصه."خد يا والتر." بصلي بعبوس."إنتِ كمان مكلتيش." قلت له: "وإنت عندك تلاتة وسبعين سنة، فبلاش جدال مع ست شايلة عشاها في إيدها.
" ضحك، وأخد السندوتش. بعدها بدقايق، عربية دفع رباعي سودا وقفت في الناحية التانية من الشارع. نزل منها راجلين. الأول طويل وعريض الكتاف، لابس بالطو فحمي غالي. والتاني كان أقصر منه شوية، لكن ملامحه كانت بتقول إنه مش بيحب المفاجآت.
الراجل الطويل قرب خطوتين، وبعدها وقف لما قلت له: "متقربش أكتر من كده." رفع إيده عشان يبين إنه مش جاي يأذيني."فيه عاصفة جاية، والجو هيبقى أسوأ." قلت له: "أنا واخدة بالي." طلع من جيب بالطوه كذا ورقة من فئة المية دولار."خدي الفلوس دي، واحجزي لنفسك أوضة في فندق.
" بصيت للفلوس، وحسيت للحظة إن رجلي مش قادرة تشيلني. كنت محتاجة حمام سخن، وسرير، وأكل من غير ما أحسب كل لقمة هتكلفني كام. لكنني رجعت بصيت له وقلت: "لا، شكرًا." الراجل اللي معاه فتح عينيه بدهشة."إنتِ بترفضي الفلوس دي وإنتِ قاعدة في الشارع؟
" رديت عليه: "أنا قاعدة بره، مش نايمة بره. وفي فرق كبير بين الاتنين." الراجل الطويل فضل باصص لي، وبعدها سألني: "كنتِ بتشتغلي إيه قبل كده؟" فرديت وأنا بفرد ضهري: "كنت مسؤولة عن مطبخ مصنع كبير، وكان عندي تمانين موظف بجهز لهم الأكل كل يوم، وساعات العدد كان بيوصل لمية وواحد.
" بص للراجل اللي معاه، وبعدها رجع بص لي. "تقدري تطبخي لتلاتين راجل؟" رمشت بعيني باستغراب."تلاتين إيه؟" "رجالة." "من أي نوع؟" رد بكل هدوء: "من النوع اللي بيبقوا مستحيل يتعاش معاهم لما يجوعوا." كنت هبتسم غصب عني."الوصف ده ينطبق على كل راجل قابلته في حياتي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.