وليه محمود طلب منها يومها، لأول مرة في حياتهم، إنها ما تحكيش لحد عن الزيارة دي.
سهير فضلت واقفة مكانها، عينيها معلقة بالرسالة اللي وصلت للمستشار، وكأنها بتحاول تفتكر حاجة مدفونة جواها من سنين طويلة. مريم كانت ماسكة إيديها وبتسألها بخوف: — ماما، إنتِ فعلًا رحتي المركز ده قبل وفاة بابا بأسبوع؟
سهير هزت راسها ببطء، وبدأت الذكريات ترجع لها واحدة واحدة.
— أيوه يا بنتي... أنا فاكرة اليوم ده. محمود كلمني وقال لي أجيله، وقال إن فيه ورق محتاجني أمضي عليه بخصوص تأمين صحي تابع للشغل. رحت له، واستنيته في مكتب صغير، وبعد شوية جه واحد من الموظفين ومعاه ورقة، وقال لي إن محمود طلب مني أمضيها.
مريم قربت منها: — وإنتِ مضيتي؟
سهير حطت إيدها على جبينها، بتحاول تجمع تفاصيل اليوم اللي اتنسى وسط سنين كتير.
— مش فاكرة إني مضيت على حاجة. فاكرة إني سألت الموظف عن الورقة، وهو قال لي إنها مجرد إجراءات روتينية، لكن محمود دخل فجأة وأخدها منه، واتعصب عليه جدًا. وبعدها خرجني من المكان، وطول الطريق كان ساكت.
المستشار شريف سألها: — هل تقدري تفتكري شكل الموظف أو اسمه؟
سهير غمضت عينيها، وبعد لحظات قالت: — كان اسمه سامح... أظن سامح عبدالمقصود.
المستشار بص لزميله، وبعدها قال: — سامح هو نفسه موظف الأرشيف اللي أدلى بأقواله في التحقيق.
سهير شهقت: — يعني هو اللي حاول يخليني أمضي؟
— ما نقدرش نستنتج ده قبل ما نسمع أقواله، لكن شهادتك مهمة جدًا. هنطلب منه يوضح طبيعة الزيارة، وإيه المستند اللي كان معاه.
سهير خرجت من المبنى وهي حاسة إن الماضي كله بيتحرك ناحيتها. كانت فاكرة إنها عاشت عمرها مع محمود من غير أسرار، لكن الحقيقة إن فيه لحظات كانت ناقصة من الحكاية، لحظات هو اختار يسكت عنها عشان يحميها، أو يمكن عشان ما كانش عنده دليل كافي.
وفي نفس الوقت، كان فيه شخص تاني عارف أكتر مما قال.
سامح.
بعد يومين، حضر سامح عبدالمقصود للتحقيق. كان راجلًا كبيرًا، ملامحه مرهقة، وشعره أبيض تقريبًا، ولما دخل وشاف سهير قاعدة قدامه، ما قدرش يخبي ارتباكه.
المستشار شريف بدأ الكلام: — أستاذ سامح، مدام سهير افتكرت زيارة ليها للمركز قبل وفاة زوجها بأسبوع، وقالت إنك كنت موجود ومعاك مستند طلبت منها تمضيه. هل تتذكر الواقعة دي؟
سامح بص للأرض فترة طويلة، وبعدها قال: — أيوه، فاكرها.
سهير حسّت بقلبها بيدق بسرعة.
— إنت كنت عايزني أمضي على إيه؟
سامح رفع عينيه، وكان واضح إنه بيحاول يختار كلماته بعناية.
— أنا كنت موظف أرشيف، وجالي توجيه من الإدارة أجهز ورقة لاستكمال ملف قديم. قالولي إن البيانات موجودة، وإن المطلوب مجرد تأكيد استلام. أنا ما كنتش فاهم كل تفاصيل الملف، وافتكرت إن الموضوع إجراء عادي.
— ولما محمود دخل وأخد الورقة منك، قال لك إيه؟
سامح تنهد وقال: — قال لي إن الورقة دي ما ينفعش تتعرض عليكي، وإن اسمك اتستخدم في ملف إنتِ مالكيش علاقة بيه. وطلب مني أكتب إفادة إنك ما وافقتيش على المشاركة في أي بحث، وإن الورقة ما اتوقعتش قدامي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.