مريم قرأت الرسالة، وبعدها رفعت عينيها لأمها.
— هو عرف منين إن الحساب ممكن يكون باسمه يا ماما؟
سهير هزت راسها ببطء.
— السؤال ده هو اللي مخليني مش عارفة أنام. لو هو بريء، عرف منين إنهم وصلوا للحساب؟ ولو هو عارف كل حاجة من زمان، يبقى كان مستنيني أكتشفها بنفسي ليه؟
مريم قربت منها ومسكت إيديها.
— بكرة نروح ونسمع كل حاجة. بس أوعديني إنك مش هتروحي لوحدك، ومش هتواجهي حد قبل ما نعرف الحقيقة كاملة.
سهير بصت لإيد بنتها، وافتكرت إيد محمود، جوزها الأول، لما كان بيمسكها وهي خايفة من أي حاجة في الدنيا.
محمود اللي عاش معاها عمره وهو بيحاول يطمنها، ومات قبل ما تعرف إن فيه جزء من حياته كان متعلق بملف غامض، ملف رجع يطاردها بعد سنين طويلة، في الوقت اللي كانت فاكرة فيه إنها أخيرًا لقت فرصة تعيش من جديد.
قالت بصوت مبحوح:
— أنا مش خايفة أعرف الحقيقة يا مريم. أنا خايفة أكتشف إني وثقت في الشخص الغلط مرتين.
مريم حضنتها، لكن سهير ما عيطتش. كانت وصلت لمرحلة إن الوجع نفسه بقى ساكت، وإن دموعها بقت واقفة في عينيها من غير ما تنزل.
في الليلة دي، ما ردتش على حسام.
تاني يوم، صحيت سهير بدري على غير عادتها. لبست فستان كحلي بسيط، ولفت طرحتها حوالين رقبتها، وحطت في شنطتها جواب محمود القديم، وصورة الملف اللي كان فيها توقيعها المزيف، ونسخة من التقرير اللي الدكتور رمزي سلّمهولها.
مريم كانت مستنياها عند الباب.
— جاهزة يا ماما؟
سهير بصت للبيت اللي قاعدة فيه من يوم ما سابت بيت حسام. البيت كان هادي، لكن الهدوء المرة دي ما كانش مريح. كان فيه أسئلة كتير، وكل سؤال وراه احتمال جديد.
— جاهزة يا بنتي. بس نفسي أرجع النهارده وأنا عارفة أنا عايشة وسط إيه بالظبط.
ركبوا العربية، وطول الطريق مريم كانت بتحاول تفتح معاها كلام في أي موضوع بعيد عن القضية، لكن سهير كانت سرحانة. كل ما تعدي عربية شبه عربية حسام، تفتكر أول يوم شافته فيه بعد سنين الوحدة.
كان وقتها واقف في معرض خيري صغير، بيتكلم مع الناس بهدوء، ولما عرف إنها أرملة، ما حاولش يفرض نفسه عليها ولا يستغل حزنها. بالعكس، كان بيبعت لها كتب بتحبها، ويسأل عليها من بعيد، لحد ما بدأ قلبها يلين له.
كانت فاكرة إن اهتمامه بيها دليل على إنه شايفها إنسانة، مش مجرد ست كبرت في السن وبتدور على الأمان.
لكن دلوقتي، كل ذكرى حلوة بقت محتاجة إجابة.
وصلوا للمبنى اللي فيه مكتب التحقيق، واستقبلهم نفس الموظف اللي اتصل بيها اليوم السابق. طلب منها تستنى شوية، وبعدها دخلها غرفة صغيرة فيها ترابيزة مستطيلة، وملفات متراصة، وراجل في أواخر الأربعينات لابس بدلة رمادي.
عرّف نفسه باسم المستشار شريف، المسؤول عن مراجعة المستندات المرتبطة بالملف القديم.
قعدت سهير قدامه، ومريم جنبها.
المستشار فتح ملف أسود، وطلع منه ورقتين.
— مدام سهير، إحنا راجعنا سجل الدخول الإلكتروني للمركز البحثي القديم، وراجعنا المستندات اللي اتنقلت للأرشيف بعد إغلاقه. عايزين نوضح لحضرتك إننا لحد دلوقتي ما وصلناش لنتيجة نهائية تثبت إن كان فيه تدخل متعمد لإيذائك، لكن ظهر قدامنا تناقض مهم جدًا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.