ولو وصلت لمرحلة إنها عرّفت الضابط بنفسها وطلبت منه يتحقق من هويتها، يبقى هي ادته كل فرصة ممكنة يتصرف صح. ومع ذلك، هو رفض. فتح حازم عينيه وقال:
«وصلوا إخطار رسمي للجهة المختصة، وخلوا فريق قانوني يراجع الإجراءات من أول لحظة.
عايز تسجيلات الكاميرات، وأسماء كل فرد شارك في الضبط، وأي ورقة اتكتبت من ساعة ما وقفوها لحد دلوقتي.»
الضابط اتحرك، لكن حازم ناداه:
«استنى.»
لفّ الضابط.«محدش يدخل القسم بعصبية، ومحدش يهدد حد. إحنا مش رايحين ننتقم. إحنا رايحين نعرف الحقيقة، ونخرج رئيسة الجهاز وفق الإجراءات الرسمية.
»
الضابط هز راسه وخرج. حازم فضل واقف مكانه، وبعد ثواني مد إيده للتليفون واتصل برقم محفوظ عنده من سنين. رد عليه صوت راجل كبير في السن.«أيوه يا حازم؟»
«يا فندم، عندنا مشكلة كبيرة.»
«خير؟»
حازم سكت لحظة، ثم قال:
«الدكتورة نادية مش موجودة، وآخر معلومة مؤكدة إنها محتجزة في قسم شرطة بعد ما ضابط اتهمها بانتحال الصفة.»
الراجل سكت. سكون طويل لدرجة إن حازم افتكر الخط فصل. وبعدين جه الصوت هادي بشكل يخوف:
«مين الضابط؟»
«المقدم طارق بركات.
»
«ماحدش يتحرك بعشوائية. عايز كل حاجة تتراجع قانونيًا، وعايز أعرف مين سمح لنفسه يحول إجراء ضبط عادي لمهزلة بالشكل ده.»
حازم قال:
«مفهوم يا فندم.»
وقبل ما يقفل، سمعه بيضيف:
«حازم... نادية مش سهلة، بس ده مش معناه إننا نستهين باللي حصل.
هي إنسانة قبل ما تكون مسؤولة، واللي حصل معاها لازم يتكشف من غير ما حد يدفنه.»
حازم قفل الخط، وحس إن الليلة لسه في أولها. الفصل التاني: جوه الحجز
في الناحية التانية، كانت نادية قاعدة على دكة أسمنتية في غرفة ضيقة، نورها أبيض باهت، والحيطان فيها آثار رطوبة قديمة.
كانت لابسة نفس الهدوم اللي خرجت بيها من اجتماعها، جاكيت كحلي بسيط، وقميص أبيض، وساعة فضية في إيدها. ساعتها كانت واقفة عند اتنين وسبعتاشر دقيقة. لأن الساعة اتخبطت واتعطلت وقت ما أحد الأمناء شد إيدها بعنف وهو بيكلبشها. نادية بصت للساعة، وابتسمت ابتسامة حزينة.
مش عشان الساعة غالية، لكن لأنها كانت هدية من بنتها الوحيدة مريم، يوم ما رجعت من بعثة تدريب طويلة. مريم كانت عندها سبعة وعشرين سنة، دكتورة في مستشفى جامعي، ومكنتش بتحب تتكلم عن شغل أمها. كانت دايمًا تقول لها:
«يا ماما، أنا مش عايزة الناس تعرف إنتي مين.
أنا عايزاهم يعرفوني أنا مين.»
ونادية كانت بتحترم رغبتها. عشان كده كانت بتحاول تفصل بين حياتها الشخصية وشغلها، حتى لو ده كان معناه إنها ترجع البيت لوحدها في عز الليل. حطت الساعة في جيبها، ورفعت راسها لما سمعت خطوات جاية ناحية الباب.
ظهر أمين شرطة في الخمسينات، وشه مرهق، وعينيه فيها تردد واضح. فتح فتحة صغيرة في الباب وبصلها.«حضرتك محتاجة حاجة؟»
نادية ردت بهدوء:
«محتاجة أعرف اسمك.»
اتوتر.«ليه يا هانم؟»
«عشان لما أكتب شهادتي، أبقى فاكرة مين كان موجود.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.