بعدها سألتني: "مصطفى، إنت مبسوط مع ابنك؟" قلت: "أوي." قالت: "خلي بالك منه. متخليش الشغل والفلوس ياخدوا منك الأيام اللي مش هترجع." هزيت راسي. وبعدين سألتني سؤالًا وجعني: "لو الزمن رجع بيك، كنت هتعمل نفس اللي عملته؟ " فضلت ساكت فترة طويلة.
كان ممكن أكذب وأقول لها إن كل حاجة كانت مكتوبة، وإن الظروف هي اللي حكمت، لكني تعبت من الهروب. قلت: "لأ يا سحر. كنت هفضل جنبك، وكنت هواجه خوفي بدل ما أهرب منه. كنت هحاول ألاقي حل من غير ما أحسسك إنك عبء.
" نزلت عينيها وقالت: "كنت أتمنى ده." الجملة كانت هادية، لكن فيها حزن سنين كاملة. وبعد شوية، رفعت عينيها وقالت: "بس أنا مش عايزاك تفضل واقف عند السؤال ده. اللي حصل حصل، وإحنا لازم نعيش اللي باقي من عمرنا باللي نقدر عليه.
" كنت كل ما أسمعها تتكلم بالطريقة دي، أحس إنها أقوى مني بكتير، رغم إنها كانت هي اللي بتواجه المرض يومًا بيوم. مرت أسابيع، وبدأت سحر تهتم بحاجات صغيرة كانت ناسية نفسها فيها. كانت تقرأ، وتكتب في كراستها، وتكلم أمها بالتليفون، وأحيانًا تقعد في البلكونة شوية لما تكون قادرة.
وأنا بدأت ألاحظ إنها مش بتتكلم عن نفسها كأنها مستنية النهاية طول الوقت. في يوم، قالت لي إنها نفسها تزور أمها. قلت: "طب نروح لها بكرة لو الدكتور موافق وحالتك تسمح." فرحت جدًا، كأننا بنخطط لرحلة كبيرة. تاني يوم، أخدتها لأمها.
أمها كانت ست كبيرة، وأول ما فتحت الباب وشافت بنتها، حضنتها وفضلت تبكي. قالت: "يا بنتي، وحشتيني. إنتِ ليه بتخبّي عني تعبك؟" سحر مسحت دموعها وقالت: "عشان إنتِ بتتعبي يا ماما، وأنا مش عايزاكي تشيلي همي." أمها مسكت وشها بين إيديها وقالت: "أنا أمك يا سحر، ووجعك وجعي.
متحرمنيش منك وإنتِ لسه موجودة." وقفت بعيد عنهم، وحسيت إن سحر كانت طول الوقت بتحاول تحمي أمها من الحزن، زي ما كانت بتحاول تحميني من المسؤولية، وفي الحالتين كانت بتدفع هي الثمن لوحدها. بعد ما قعدنا شوية، أمها دخلت المطبخ تعمل لنا شاي، وسحر طلبت مني أقعد جنبها.
قالت بصوت واطي: "أنا عايزة أطلب منك حاجة، بس مش عايزاك تفتكر إني بتدخل في حياتك." قلت: "قولي." قالت: "لو في يوم بقيت مش قادرة أتابع علاجي أو أتكلم، خليك فاكر إن كل قرار يخصني لازم يتاخد مع الدكتور وبما يحفظ كرامتي.
أنا مش عايزة حد يقرر عني لمجرد إني تعبانة." قلت: "حاضر." وأضافت: "وعايزاك متنساش إنك أب. ياسين محتاج يشوف منك الرحمة، مش بس يسمع منك النصايح." بصيت لها وقلت: "هحاول." ابتسمت وقالت: "مش تحاول وبس، اتعلم. " رجعنا شقتها في آخر اليوم، وكانت مرهقة، لكنها مبسوطة.
وقبل ما أمشي، قالت لي: "شكرًا إنك جيت بيا لماما." قلت: "ده حقك." بصتلي وقالت: "كان نفسي أسمع منك الكلمة دي من زمان." رجعت البيت، وفضلت أفكر في كلامها. كنت طول عمري فاكر إن الجواز مسؤولية فلوس وأكل وشرب وسكن، وإن طالما بدفع المصاريف يبقى أنا عملت اللي عليا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.