" قلت: "بروح أطمن على طنط سحر." سألني: "هي بتحبني؟" ابتسمت وقلت: "أوي." قال: "طب ليه هي مش عايشة معانا؟" السؤال فاجأني. بصيت له، وحاولت أشرح له على قد سنه: "عشان طنط سحر مريضة، وليها بيت بتعيش فيه، وإحنا لازم نطمن عليها ونساعدها.
" فكر شوية، وبعدها قال: "لما أخف، هاجيب لها لعبة." حسيت بدموعي بتتجمع. قلت له: "إن شاء الله يا حبيبي. " وقتها فهمت إن الرحمة مش حاجة بنتولد بيها كاملة، لكنها حاجة بنتعلمها من اللي حوالينا، ومن الطريقة اللي بنعامل بيها الناس وقت ضعفهم.
بعد فترة، سحر طلبت مني أجيب لها ياسين مرة تانية. رحنا لها، وكان معاها علبة صغيرة ملفوفة بورق ملون. أول ما شافتنا، قالت: "تعالى يا ياسين، أنا جايبة لك حاجة." ادتهاله، وطلع منها كتاب تلوين صغير وأقلام. الولد فرح جدًا، وقعد جنبها يوريها كل رسمة بيعملها.
سحر كانت بتضحك معاه، وأنا قاعد أتفرج عليهم، وحاسس إن اللحظة دي أغلى من أي حاجة كنت فاكرها مهمة. لما جه وقت المشي، ياسين حضنها وقال: "هجيلك تاني يا طنط." سحر حضنته برفق، وقالت: "ربنا يخليك يا حبيبي." وبعد ما خرجنا، لقيتها بتبص من الشباك وبتلوح لنا.
المنظر ده فضل في بالي طول الطريق. كنت عايز أرجع أقول لها إن كل حاجة هتبقى كويسة، لكني اتعلمت إني مبقاش أدي وعود مش في إيدي أضمنها. بدل كده، بقيت أديها وقتي واهتمامي، وأحاول أخلي الأيام اللي نقدر نقضيها سوا أقل وجعًا.
لكن رغم كل محاولاتي، المرض كان ليه أيام صعبة. وفي ليلة من الليالي، اتصلت بيا السيدة اللي بتساعد سحر في البيت، وقالت إن سحر تعبانة ومحتاجة تروح المستشفى. وصلت لها، ولقيتها مرهقة جدًا، ومش قادرة تقف لوحدها. ساعدتها لحد العربية، ووديتها المستشفى.
الليلة دي كانت طويلة، وأنا قاعد بره غرفة الكشف، مش عارف أعمل إيه غير إني أدعي ربنا يخفف عنها. بعد الفحوصات، الدكتور شرح لي إن حالتها محتاجة متابعة دقيقة، وإن الاستجابة للعلاج ممكن تختلف من فترة للتانية. دخلت لها، لقيتها صاحية، وبتبص للسقف.
لما شافتني، قالت: "إنت لسه هنا؟" قلت: "أيوه، أنا هنا." ابتسمت وقالت: "كنت فاكرة إنك هتمشي عشان عندك شغل. " قربت منها وقلت: "الشغل يستنى." قالت: "إنت اتغيرت يا مصطفى." نزلت عيني وقلت: "يمكن اتأخرت في إني أفهم.
" سكتت شوية، وبعدين قالت: "أنا مش عايزاك تحس إنك لازم تعوضني عن كل حاجة. مش هتعرف ترجع السنين، وأنا مش عايزاك تعيش أسير اللي فات. " قلت: "أنا مش بحاول أرجع السنين يا سحر. أنا بحاول أبقى إنسان أحسن في الأيام اللي جاية.
" بصتلي طويلًا، وبعدها قالت: "يبقى كفاية عندي إنك فهمت." فضلت جنبها، ولما نامت، مسكت الكراسة اللي كانت بتكتب فيها. كنت متردد أفتحها، لكن لقيتها مفتوحة على صفحة مكتوب فوقها: "حاجات نفسي أعملها. " قرأت أول سطر: "نفسي أعيش يوم من غير ما أحس إني مريضة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.