" كنت عايز أزعق فيها، أقول لها ليه مهملة في نفسها، لكني فجأة افتكرت إني أنا اللي كنت المفروض أكون موجود وأسألها عن كل ده. قعدتها على الكنبة، وجبت لها المية، وساعدتها تشرب. وبعدين قلت: "يلا نروح المستشفى. " هزت راسها: "مش عايزة." قلت: "يا سحر، إنتِ تعبانة ومحتاجة دكتور.
" قالت: "أنا مش عايزة أرجع المستشفى. تعبت من المستشفيات يا مصطفى." كان صوتها هادي، لكنه مليان إرهاق، إرهاق سنين مش يومين. قعدت جنبها، وقلت: "طب على الأقل نكلم الدكتور ييجي يشوفك. " وافقت بعد إلحاح، ولما الدكتور جه كشف عليها، قال إنها محتاجة تقييم في المستشفى بسبب ضعفها والجفاف، وإن لازم نتابع حالتها كويس.
المرة دي، سحر وافقت تروح. وأنا في المستشفى، كنت واقف قدام غرفة الكشف، حاسس إني غريب عن المكان اللي قضيت فيه شهور من حياتي. خرج الدكتور، وطلب مني أتكلم معاه بعيد عنها. قال: "حالة سحر محتاجة متابعة دقيقة.
هي ضعفت جدًا، وفيه حاجات لازم نعمل لها فحوصات عشان نعرف سبب التدهور. وجود حد معاها ومتابعة الأدوية والأكل والسوائل مهمين جدًا." سألته: "يعني حالتها خطيرة؟" قال: "هي حالة مريضة بالسرطان، وأي تدهور لازم ناخده بجدية. مش هقدر أقول لك النتيجة قبل الفحوصات.
" حسيت بالخوف، وطلبت منه يعمل كل اللي يقدر عليه. بعد شوية، دخلت لها الأوضة، لقيتها نايمة، ووشها مرهق. قعدت جنبها، وبصيت لإيديها اللي كانت متوصلة بالمحلول. وفجأة فتحت عينيها وقالت: "مصطفى؟" قلت بسرعة: "أيوه، أنا هنا." قالت: "إنت عندك شغل بكرة؟
" السؤال خلاني أحس إني صغير أوي. حتى وهي في المستشفى، تعبانة ومش عارفة هتخرج إمتى، كانت بتفكر إذا كنت هتتعطل بسببها ولا لأ. قلت: "مش مهم الشغل دلوقتي." ابتسمت وقالت: "متقولش كده. شغلك مهم، وعندك بيت وابن." سكت، وبعدين سألتها: "سحر، هو إنتِ ليه مش بتطلبي حاجة من حد؟
" بصتلي باستغراب. كملت: "ليه بتفضلي تتعبي لوحدك؟" ردت بهدوء: "عشان محدش يحس إنه مجبور عليا." حسيت إن الكلام طعني. قلت: "أنا عمري ما كنت شايفك كده." بصتلي طويلًا، وبعدها قالت: "يمكن إنت مش كنت شايفني أصلًا يا مصطفى." مقدرتش أرد. لأنها قالت الحقيقة.
فضلت معاها لحد الصبح، ولما نامت، خرجت أجيب قهوة، ووقفت في الممر أبص للناس اللي رايحة جاية. كان فيه ست كبيرة قاعدة على كرسي متحرك، وبنتها ماسكة إيدها وبتطمنها. وكان فيه راجل شاب بيحاول يضحك مراته قبل ما تدخل غرفة الفحص.
المشاهد دي كانت عادية لأي حد، لكنها بالنسبالي كانت بتفكرني بحاجات ضيعتها بإيدي. رجعت الأوضة، ولقيت سحر صاحية. قالت: "مصطفى، ممكن أطلب منك طلب؟" قربت منها: "اطلبي أي حاجة." قالت: "ممكن تجيب لي شنطة هدومي من البيت؟
فيها إسدال بحبه، وطرحة بيضا، وكتاب صغير كنت بقرأ فيه. " قلت: "حاضر. عايزة حاجة تانية؟" هزت راسها: "لأ، كفاية كده." خرجت، وروحت شقتها أجيب الحاجات. وأنا بفتح الدولاب، لقيت هدومي القديمة لسه موجودة في درج صغير، هدوم كنت ناسيها من سنين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.