دخلنا المكتب، وكان مليان مكتبات وصور عائلية. أدهم وقف قدام صورة أبوه وهو شاب، وقال: «أنا كنت فاكر إن كل أسرار البيت ده تخص شغل العيلة بس.» قلت له: «أوقات أخطر الأسرار بتكون في الحاجات اللي الناس بتفتكر إنها عادية.
» طلع المفتاح، وفتح درج صغير في مكتب أبوه. جواه كان فيه ظرف بني قديم، وصورة مطبوعة، ودفتر ملاحظات. أخدت الصورة الأول. كانت صورة لاجتماع قديم، فيه محمود وفؤاد وثلاثة رجال تانيين. لكن على ظهر الصورة، كان فيه اسم مكتوب بخط إيدي.
«مريم كمال.» قلبت الصورة. ولقيت نفسي واقفة في طرف القاعة، بعيدة عن المجموعة، شايلة ملف الحسابات. قلت: «الصورة دي اتصورت في يوم الاجتماع الأخير.» أدهم قرب مني. «يعني حد كان بيراقبك من وقتها؟» «واضح كده.» فتحت الظرف.
كان جواه خطاب مكتوب بخط محمود. «إلى من يهمه الأمر، أقر بأن مريم كمال لم تتورط في أي مخالفة مالية، وأن ما توصلت إليه من ملاحظات يستحق التحقيق. وأتحمل مسؤوليتي عن تأخري في الإبلاغ عن الشبهات المحيطة بالمشروع.» رفعت عيني لأدهم. «أبوك كتب اعتراف ببراءتي من تمن سنين؟
» هز راسه. «واضح إنه كان عايز يقول الحقيقة، لكنه ما بعتش الخطاب.» قلبت الورقة، ولقيت ملاحظة بخط تاني. «أي محاولة لإعادة فتح الموضوع ستؤدي إلى كشف أسماء لا يريد أحد ظهورها.» أدهم شد الورقة من إيدي، وقراها مرتين.
«مين كتب الكلام ده؟» بصيت للخط. كنت أعرفه. قلبي بدأ يدق بسرعة. قلت: «الخط ده مش غريب عليا.» أدهم سألني: «تعرفيه؟» هزيت راسي ببطء. «أيوه. شفته قبل كده في أوراق الشركة.» حاولت أفتكر الاسم، لكن ذاكرتي كانت بترجعني لليلة الخميس، لصوت الباب، ولأمي وهي بتقول لي ما أتأخرش.
غمضت عيني لحظة، وبعدها افتكرت. «كمال عزمي.» أدهم عقد حواجبه. «مين كمال عزمي؟» قلت: «كان المستشار المالي للمشروع. الراجل اللي كان بيراجع العقود قبل ما تتوقع.» أدهم رجع خطوتين. «كمال عزمي مستشار العيلة من أكتر من عشرين سنة.» بصيت له.
«يعني لسه قريب من أبوك؟» رد بصوت واطي: «قريب جدًا.» قبل ما نكمل كلامنا، سمعنا صوت الباب الخارجي بيتفتح. دخلت الست فاطمة وهي بتقول: «أستاذ أدهم، الأستاذ كمال بره، وبيقول لازم يقابلك حالًا.» بصينا لبعض. أدهم همس: «إحنا ما قلناش لحد إننا جايين هنا.» قفلت الظرف بسرعة، وحطيته في شنطتي.
أدهم خرج للممر، وأنا وراه. كان كمال عزمي واقف في الصالة، لابس بدلة رمادي، وشعره الأبيض مرتب، وملامحه هادية بشكل غريب. أول ما شافني، ابتسم. «يا أهلا يا أستاذة مريم.» ما رديتش على ابتسامته. قلت: «حضرتك تعرفني؟» قال: «مين ما يعرفش مريم كمال؟» أدهم وقف بيننا.
«إنت جيت هنا ليه يا أستاذ كمال؟» كمال بص له. «سمعت إن والدك تعبان، فقلت أطمن عليه. ولما عرفت إنك خرجت من المستشفى، حبيت أتكلم معاك في موضوع مهم.» أدهم سأله: «موضوع إيه؟» كمال بص ناحيتي، وبعدها قال: «موضوع الماضي اللي الأفضل يفضل في الماضي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.