ما بقيتش أبص ورايا كل دقيقة، وما بقيتش أفزع من كل مكالمة مجهولة. لكن وشم التاج الأسود فضل على معصمي. ما أخفيتوش تاني. مش لأنه رمز قوة خارقة، ولا لأنه بيخليني مختلفة عن الناس. لكن لأنه جزء من حياتي، وجزء من مرحلة عدت، مهما كانت مؤلمة.
وفي يوم، وأنا خارجة من المستشفى، لقيت أدهم واقف عند البوابة. قال: «ممكن أتمشى معاكي شوية؟» قلت: «على حسب. لو هتتكلم عن القضية، أنا تعبت من الكلام فيها النهارده.» ابتسم. «مش هتكلم عنها.» مشينا في الشارع، واتكلمنا عن حاجات عادية.
عن شغله، وعن المرضى اللي عندنا، وعن الدكتورة سارة اللي بقت بتعامله بشكل طبيعي بعد ما اعتذر لها، وعن إصرار الست فاطمة إنها تطبخ له أكل البيت كل يوم رغم إنه عنده طباخين. ولأول مرة، ما حسيتش إني مضطرة أكون مريم اللي لازم تعرف كل حاجة وتواجه كل خطر.
كنت مريم العادية، اللي بتضحك لما تسمع موقف مضحك، واللي بتتعب بعد يوم طويل، واللي بتحلم بيوم هادي من غير مكالمات تهديد. عند أول الشارع، أدهم وقف وقال: «مريم، أنا عارف إن اللي بينا بدأ بطريقة سيئة جدًا.» ضحكت. «دي أقل كلمة ممكن توصف اللي حصل.
» ابتسم. «وعارف إنك مش مطالبة تثقي فيا لمجرد إني اعتذرت.» هزيت راسي. «صحيح.» قال: «بس أنا حابب أقولك إن وجودك خلاني أشوف حاجات ما كنتش شايفها. مش بس عن أبويا، لكن عن نفسي كمان.» بصيت له. «المهم إنك تفضل فاكر ده حتى لما الدنيا تهدى.» رد: «هحاول.
» قلت: «ما تحاولش بس. خليك أحسن.» ابتسم. «حاضر.» افترقنا عند ناصية الشارع، وكل واحد راح طريقه. ما كانش فيه وعد كبير، ولا اعترافات، ولا كلام عن مستقبل مجهول. كان فيه احترام بدأ يتبني ببطء، وده كان كفاية بالنسبة لي.
في صباح يوم المحاكمة، صحيت بدري، ولبست بدلة بسيطة، وربطت شعري ورا ضهري. وقفت قدام المراية، وبصيت للوشم على معصمي. افتكرت أول مرة شفته في عيني أدهم، لما وشه شحب وسألني جبت الرمز ده منين. وقتها كنت فاكرة إن الماضي رجع عشان يدفنني.
لكن النهارده، كنت داخلة المحكمة عشان أقول الحقيقة بصوتي. نهى كانت مستنياني قدام المبنى. قالت: «جاهزة؟» أخدت نفس طويل. «جاهزة.» دخلنا، وبدأت الإجراءات. لما جه دوري، وقفت قدام المحكمة، وقلت اسمي كاملًا. مريم كمال. حكيت عن شغلي، وعن الحسابات اللي راجعتها، وعن الضغوط اللي اتعرضت لها، وعن التهديدات اللي وصلتني.
حكيت عن ليلة الخميس، وعن اختفاء أمي، وعن السنين اللي قضيتها بعيد عن حياتي القديمة. ما زودتش حاجة، وما حاولتش أخلي كلامي مؤثر أكتر من الحقيقة. كنت بقول اللي فاكره، وبوضح اللي مش متأكدة منه، وبسيب المستندات والشهادات تتكلم عن نفسها.
في نهاية شهادتي، المحامي سألني: «هل عندك دليل مباشر إن المتهم كمال عزمي هو اللي تسبب في وفاة والدتك؟» وقفت لحظة، وبعدها رديت: «أنا عندي مستندات وشهادات بتوضح إنه كان طرفًا في التهديدات اللي اتعرضت لها، لكن مش هقول إن عندي دليل مباشر على مسؤوليته عن وفاة أمي إلا لو التحقيق أثبت ده.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.