» نهى نزلت عينيها. «قال إنها كانت بتطلب يعرفوا مريم فين.» غطيت وشي بإيديا. كانت أمي بتدور عليا، وأنا كنت بدور عليها. وفي الوقت اللي كل واحدة فينا كانت محتاجة التانية، كان فيه ناس بتتحكم في مصيرنا من بعيد. بعد أيام، طلبت أشوف محمود الشناوي.
دخلت أوضته في المستشفى، ولقيته قاعد جنب الشباك، ووشه أهدى من أول مرة شفته فيها. لما شافني، قال: «اتفضلي يا مريم.» قعدت قدامه. ما كانش عندي غضب زي الأول، لكن الجرح لسه موجود. قلت: «التحقيقات وصلت لسامح راضي.» محمود غمض عينيه. «ربنا يظهر الحق.
» قلت: «الشاهد قال إنك كنت بتحاول توصل لي ليلة الخميس.» هز راسه. «أيوه.» «ليه ما جيتش بنفسك؟» سكت شوية. «كنت خايف. فؤاد كان مهددني، وقال لي لو ظهرت في الموضوع هتتأذي عيلتي. وأنا صدقته.» قلت: «وإنت اخترت تحمي نفسك.» رد بصوت مكسور: «أيوه.» بصيت له طويلًا.
«عارف يا حاج محمود، أكتر حاجة وجعتني مش إنك كنت خايف. كل الناس بتخاف. اللي وجعني إنك فضلت ساكت بعد ما عرفت إن أمي مـ,ـاتت، وإن فيه احتمال إن اللي حصل لها كان مرتبط بالتهديدات اللي اتعرضنا لها.» دموعه نزلت.
«أنا كل يوم كنت بفتكر اللي حصل، وكل يوم كنت بقول هتكلم بكرة. لحد ما السنين عدت، وبقيت أضعف من إني أواجه الحقيقة.» قلت له: «أنا مش قادرة أسامحك دلوقتي.» هز راسه. «مش طالب منك تسامحيني.» «ومش عارفة إذا كنت هقدر في يوم.
» قال: «ده حقك.» وقفت، لكن قبل ما أخرج، ناداني. «مريم.» لفيت ناحيته. قال: «فيه حاجة عايز أقولها قبل ما تمشي. إنتِ مش السبب في مـ,ـوت والدتك. ما تحمليش نفسك ذنب إنك كنتي بتحاولي تعملي الصح.» فضلت باصة له.
الجملة دي كانت بتطاردني من سنين. كنت ساعات أسأل نفسي لو كنت سكت، لو كنت ما راجعتش الحسابات، لو كنت رجعت البيت بدري، هل أمي كانت هتفضل عايشة؟ محمود كمل: «الذنب ذنب اللي اختار يهدد ويخوف ويخبي الحقيقة.
مش ذنب البنت اللي كانت بتدور على الأمانة.» ما رديتش. خرجت من الأوضة، وفضلت واقفة في الممر فترة طويلة. ولأول مرة من تمن سنين، سمحت لنفسي أفكر إن وفاة أمي ما كانتش عقابًا ليا على إني حاولت أكون أمينة.
كنت ضحية. ومش لازم أفضل أعاقب نفسي طول العمر. بعد ستة شهور من بداية التحقيق، صدر قرار بإحالة جزء من الوقائع المتعلقة بالتلاعب المالي إلى المحاكمة، مع استمرار التحقيق في التهديدات والوقائع المرتبطة بوفاة والدتي. الملف ما خلصش في يوم وليلة، والقضية ما اتحلتش بمجرد ظهور شاهد.
لكن الأدلة بقت أقوى، والشهادات بدأت تتجمع، وكل شخص كان عليه يواجه مسؤوليته. فؤاد الدمنهوري فضل ينكر التهم الموجهة له، وكمال عزمي قال إن توقيعاته على بعض المستندات لا تعني إنه كان على علم بكل تفاصيل المشروع.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.